14‏/07‏/2018

مُعجزة اسمها الحنين - 2



.
الكتابة عن الحنين بمثابة اللكز على جرح ما، ذلك أننا لا نحن إلّا لما فُقد. وكلما تقدم الزمن تقادم الحنين فينا وازداد الجرح عمقًا، فالحنين ليس خطّة في أجندة أعمال، بل هو شعور يداهمك فيصبح هو الخطة وفيه المكان وإليه نشُد الزمان. هو تأكيد منك على تاريخك وحالة رضا وحبور بأقدارك وإنما بأثر رجعي !

الشعور بالحنين يعني بذل أقصى قدرة لقواك العقلية في وقت حزين يفرض ظلاله على خلاياك، أنت ترفض واقعًا ما، فتلجأ للرجوع للخلف كأن تستعيد شعورًا بالبهجة نسيتَ أن تعيشه في وقته كما يجب، لكنه شعور مغلف بالشجن أيضًا ! هذه الخلطة المبهمة هي بمثابة حالة انعاش لقلبك ليعود قارئًا لتفاصيل الحياة. الحنين سيجعلك أقوى، أشد إعتدادًا وعنادًا لما يروقك، أكثر عطفًا بالغير. أما الذين لا يحنون فبإمكانهم الإنضمام لمتاحف الشمع أو اعتبارهم من ذوي القدرات الخارقة !

 أحن للكثير لأنني إلتقيت بأشخاص جميلين في معظم مراحل حياتي، ولأنني أستخدم حواسي جميعها في التعامل مع الحدث، أحن إلى تسريحة ذيل الحصان، والغرة التي تدعي المعلمة أنها تعيق الرؤية وللمعلمة التي أدعت ! ولرائحة التراب بعد سقوط المطر في رحلات البر في أقصى ركن في الذاكرة وأغنية " أحب البر والمزيون أحب البدو والأوطان" ولأجندة أبي العشبية، أحن أن أبحث عن أمي وهي أمامي تتماهى بين شجيرات الورد التي تزرعها في حديقة البيت وتندمج مع أغصانها، فتصبح جوريّة وتمسي شجرة خزامى وبين الأوقات هي ياسمينة على هيئة إنسان.

 أحن لظني القديم في البشر أن يعود حسنًا سليمًا بعد أن خذلنا الكثيرون باكرًا، ولأسماء أخوتي جميعهم تعود واحدًا تلو الآخر في "دفتر العائلة" كسلمٍ موسيقي ينشز إن فُقد أحدنا ولاسم أبي يعود ربًا للأسرة، ولأنني أعلم يقينًا أنه لن يحدث، يصبح الحنين ملجاً ثم بمرور الوقت وطنًأ ! وكما يبحث المُهجّرون عن مأوى نبحث عن ذكرى نلوذ أسفل فيئها بل ولنا حق اللجوء الوجداني لأرواحنا القديمة، فهل  نتخلى عن حقوقنا ؟
       
أشتاق لطفل يقرر في وسط "اللعبة" أن يكبر ويصبح رجلًا فيخلع نظارة أخته الصغرى ثم يمسح زجاجها ببطء وعناية بطرف "كندورته" ويعيد إلباسها بحذر أكثر، وهي تنتظر مفتعلة عصر عينيها رافعة جبينها للأعلى وكأنها على موعد مع غيمة ما لترش وجهها بزخة مطر. ونحن أفراد العصابة الصغار ننظر وننتظر إنتهاء هذه الزخة وكأنه في كل مرة يحدث لأول مرة، لنستأنف بعدها كلٌ ودوره في " اللعبة".

كبرنا، وتعقدت "اللعبة" !  جميعنا شعرنا في لحظات ما بعدم الرغبة في إكمال لعبة الحياة ، لشعورنا بالظلم و أن هناك غشًا في النتائج وبعضنا لم يكن يلتزم بقواعدها، لكننا في النهاية نتماسك ونستمر لأن ما ينقذنا فعلًأ هو القدرة على الشعور وبالحنين تحديدًا.

الحنين ليس ثوابًا فقط بل هو عقابٌ أيضًا، لأنه تمامًا كما قال أحدهم إن أردت أن تؤلم إنسانًا أترك له ذكرى جميلة وارحل !

ومازال للحنين بقية


ليست هناك تعليقات :