11‏/07‏/2018

مُعجزة اسمها الحنين -1




.
تقول الأسطورة :
كلما اعتراك حزن مُفاجئ دونما سبب واضح فذلك يعني أن أحدهم - وغالبًا ما يكون بعيدًا عنك- يَحِن ويشتاق إليك بشدة، وأنه لفرط حنينه يؤلمك !

أغنيات فيروز معظمها قصص، نهايتها الحنين سواء عرفت "لمين" أم لم تعرف. بينما يشدو ميحد حمد " لوّل معي زايد غلاكم . . واليوم مالي في معاناكم"، هكذا بكل بساطة يأتي بشعورة القديم من زمن قديم عُنوة ويعيشة بل ويغنيه، ثم يعيدة مُتراجعًا إلى ما أفضت به الأيام، لكنه ينتقل هكذا بين الزمنين بعد أن أستقل مركبة الحنين ! وفي الجانب الآخر وردة تصرخ مُطالبة بمعجزة تنقذها من الحنين، لكن أليس الحنين في حد ذاته معجزة ؟ لها القدرة على تصفية الصور وتحسينها، رغم أنها صورة بعيدة إلا أنها قد تكون أكثر تشبعًا بالحياة والألوان مما كانت عليه في الواقع، لأن الإطمئنان يغشاها،  نستحضرها بعد أن عرفنا ما آلت إليه الأمور. 

بطريقة ما تمضي الحياة وفق نسق ينتهي بأن نمر كل يوم بتجربة الحنين، إنه فن ممارسة الأمل ولكن بصيغة الماضي ،ولو كان للحنين جسد مادي لكان هو ذاته الوطن الذي نعيش على تُرابه، هنا حيث نمتلك بيتًا كبيرًا كان أم صغيرًا، وأثثناه، غادرناه، عدنا إليه وغادرناه ثم أخيرًا عدنا إليه، خلقنا لأنفسنا روتينًا معينًا، وعادات خاصة، فيه تعلمنا شيئًا لا يعرفه أحد سوانا، شيئًا غامضًا منح كلٌ منا نظرته الفريدة، ويجعل الآخرين يميزون الأخوة وساكني المنزل الواحد دونما إشارة منهم. لمنازلنا نعود مولين ظهورنا قبح العالم، إليه رجعنا متلهفين بعد إنتهاء يومنا المدرسي لنطبق درس تجربة "العلوم" وزرعنا حبوب الفاصولياء في قطن أبيض بلون الحلم، وفيه كنت أختفي كل أربعاء في مخبئي السري برفقة مجلة ماجد منتشية برائحة ورقها.

أمام عتبات بوابته أنتظرتُ وأخوتي أبي ببدلتة العسكرية، قادمًا بطلعته المهيبة من " سويحان" ، " الحمرا" " القاسمية" أو " المرقاب"، مُتألقًا بجبينه الأبيض العريض كقمرٍ استثنائي طلع في عز النهار، ماشيًا مشيته العسكرية كحركة غريزية وإعتيادية في المسافة القصيرة بينا ، حاملا بيدٍ كيسًا يحتوي حلوى kinder surprise  بعددنا ،يوم كانت قطع ألعابها الصغيرة تحتاج لتركيب فعلًا  قبل أن تفاجئنا الحياة بمفاجآتها، طاويًا في اليد الأخرى جريدة الخليج ورائحة عطر dunhill تأتي معه من مكان بعيد بعيد بعيد ،ثم تغيب في مكان لا معلوم هناك حيث تتجمع دموع البشر بعد أن يذرفوها.

هذا هو الوطن حيث نمارس أنفسنا، وكأننا قطع فنية ثمينة وكل شيء مسخر للحفاظ علينا وهو ذاته الحنين، لأنه ببساطة ذوقنا وما يعجبنا فجعلناه عادات لنا، وبنينا له مسكنًا ملأناه بكل تلك الحاجيات والعادات وأسميناه "بيتنا".

وأنت ؟ لا تكن حجرًا وقد خلقك الله إنسانًا ! دع قلبك يعزف موسيقاه كما يُحب، اذهب معه حيث سيأخذك إلى باقي أعضاء الأوركسترا و لزمنك الجميل. (الزمن الجميل) مصطلح اخترعه الناس تعبيرًا عن القديم الجميل،  فمن الواضح أنه ليس قلبي وضواحيه من يعانون من أعراض الحنين، بل جميعنا ومهما اغتربنا لا بد أن نحط أخيرًا في وطنٍ يدعى الحنين.

وما زال للحنين بقية 




              

هناك تعليقان (2) :

Mohsin يقول...

I am inspired by your post writing style & how continuously you describe this topic. Butterfly Garden

مُنمنمات يقول...

Hallo Mohsin
.
life becomes more charming, when you know that you are one of the inspirational human .
thank you because you are here