03‏/08‏/2011

ليس لديه ما يوّد قوله








وهكذا ،
تنتهي إلى أنه ما من عزلة في عزلة .وما من عزلة إلا وهي مهددة بالاختراق وبمساعدتك .وأي باب تفتحه يعني أنك تفتح روحك للخارج، أن تخلي سبيل نهرك لملوحة البحر وحرقة الخسارات .وبعد أن وطنت نفسك ألا تفتح أبواباً منذ زمن ، إلا أن هناك من يغزوك في قعر أفكارك، ورغم كل هذا الانسكاب الغير عقلاني في الآخر إلا أن الحقيقة عكس ذلك .
إضافات إضافات في كل مكان، دعوات من بشر لا تعرفهم على بريدك، مدونات إليكترونية لآخرين أُرهقوا في أرشفة ذواتهم فضاعت معالمهم بين التحريف والتمني.  إنسان يضع وصلة إعلانية في بؤبؤه لإنسان آخر. تحدثه فلا يسمعكK تضغط على بؤبؤه وتغيره بسرعة، كل لحظة هو إنسان جديد ويؤدي لبشر جدد ، اختصَرت واختصُرت في ذاكرة هاتف بحجم الكف لا بحرارته ، وأنت ما هو دورك؟
تفسخ إنسانك وتلقمه أقرب (غسالة) مجتمعية ، ليخرج نظيفاً حتى من ذاتك .تصدمك عبارة مكتوبة على علبة معجون الأسنان ( إذا كان لديك ما تود قولة ، أكتب لنا على( ... تتساءل من يقرأ كل هذه الكلمات المطالب أنت والآخر بكتابتها كواجب قاس لتلميذ مُسن دخل في نظام (محو الأمية) ، من لعينة قدرةٌ استيعابية على ملاحقة صور متغيرة لوجوه لا تثبت على ملامح. لا تثق بأي حياة ، مدينتك كل أسبوع تغير عباءتها ، تستطيل عنقها وتبتكر بحيرات في ثبج المفازات ، وأنت ؟ما أصغرك أمام شلالات خراساناتها تشعر أنك تحن لروح أخرى في زمن بعيد ، روح كانت الرمال موطنها ، ربما كنت بدوي أو بيت شَعر ، لازلت غير متأكد من علاقتك بالحياة .

تريد أن تكون نفسك . تختنق بداخلك حاجة ملحة للحزن والفرح لكنك لا تستطيع فمفاتيح أبوابك تقلصت من زمهرير الآخر، تفكر بالهرب لمكان لا تسمع فيه شيء عنك ، لتبدأ من جديد وتنهي نفسك عند أول فقد . تعدو وتعدو ، تقطع الروابي وتقطف اللون الأخضر ، تزرعه سلة عزلتك المنشودة ، وفي اليوم التالي تقرأ في الصحف : سارق يطوف العالم ويسرق الدروب المورقة من الفيافي فأصبحت جميعها مدن. والآن ، ماذا ستفعل وأنت مطاردٌ وحيدُ غريبٌ ؟ تهم بالصراخ: لست أنا لست أنا ، لكنك موقن أن توقفك ثانية واحدة كفيل بتهيئة فرصة ليدهسك الآخر ويسبقك ليسرق طريق عزلتك .
فجأة تبكي وقبل أن تجفف دموعك تضحك بهستيرية ، وفي قرارة ذاتك تشعر أنك صادق في الحالتين ولكنك لا تتجرأ أن تدعي ذلك أمام نفسك لأنك مازلت غير واثقٍ من إنسانيتك . تشعر أن الكون قد اُختزل في شيفرة مزروعة في دماغك وحدك ،وأنك تعرف كل إنسان على الكوكب ، تحرقك الضحكات والتأوهات التي يزفرها العالم و كل هذا يدفعك للجنون ،ثم يتسرب الشك إليك بأن الكل يعرف الكل فتجرح فقاعة عزلتك ، وتتعرى مكرها.تكتشف أن قلبك خزانة تأوي منديلين ، قماطك وكفنك ، فتتمنى لو أنك لم تكتشف ولم تعرف ولم تتعلم ولم تحب ولم تكره ولم تأتي للحياة . لكن أمانيك ترتد في جوفك كيم غاضب ، تشربه أملا في النجاة فتوغل في العطش .توقع (شيكًا) للوجود ب منديلين فقط لا غير ،مقابل بسمة ودمعة ، فإذا بالقدر يموه البسمة على هيئة وردة دهستها عندما كنت تتعلم الحبو ،والدمعة في رداء غيمة صرفت رصيدها لتسقي عشب أكدارك .
تريد أن تذهب بعيدا عن كل هذا ،وأنك لا تستطيع تسمية الهذا ،وأنك لا ترغب بأي شيء سوى أن تتخلص من شعورك المزعج ،المنزعج من شدة الإضاءات حولك للدرجة التي تجعلك غير محدد ،تصادف كائنات تهاجر من الرمال إلى كبد الشمس ،ترغب أن ترافقها لكنك فقدت الحماس والمعنى ، تشعر أنك مستنسخ في كل مكان و أنك تستنسخ الآخرين في ذاتك دون إرادة منك . دائما ليس لديك ما تود قوله لكنك مجبرعلى تبديد صوتك لئلا تتحول إلى عدم .

تريد أن
تكتب حزنك قصيدة ولكنك تفشل وتكتشف أنك لست الشاعر.

أن ترسم أمنيتك ولكنك تعجز لأنك لست الرسام.
أن تغني سعادتك ولكنك مرغم على الصمت لأنك لست المغني.
فتتذكر القصيدة واللوحة والأغنية لكنك أبدا لا تتذكر الفاعل ،الآخر ،يسيطر عليك اعتقاد بأن كل كيان يجب أن يفعل شيئاً واحداً ويكون عنواناً لإحساس واحد فقط .وهذا التناقض يشرخ شيء في بصيرتك ، يجعلك تنوء الكون بلا خطى، كأنك تصادق إنساناً بلا عيون أو تشرع أبواب روحك للضوء ولكن الظلام يشتهيك فيحتل دمك .تتحس ظلامك الممتد من القلب للروح تبحث عن سجادتك ، لا تجدها فتخجل من كل الحيوات الساجدة للخالق حولك فيما أنت وحدك مترجلاً عصيانك ، تغيب نظرتك في فضاء بشري هائل وتضيع للأبد ، تتعقبها بين صفحات الريح ، أمواج الكثيب ، أو حطام أحلامك .لكنك موقن أنها ليست في وجه إنسان آخر، إنسان افتقد دفء السؤال فمنحتها له قميصا . تبحث عن ذاتك فتتذكر أنها أصبحت نثاراً في جيوب الزحام وجزءًا لا يذكر من كل ،وها أنت كمن يبحث عن دموع ذرفها في البحر فلا ينجو إلا ومآقيه مترعة بالملح.


ترقب الموجودات حولك ،فإذا هي تنعيك، الشبابيك تذرف الأكف التي تفترض أنك لوحت فيها لآخر، الساعات تذرف اللحظات الفريدة الغير مستهلكة والتي أبدًا لن تعود. كل الجوامد تذرف أشياءها الحميمة وترثي إنسانية الآخر.
تنشر ابتسامتك على جباه البشر دون استئذان لتجففها من مطر عيونك ، بينما ضميرك يسلي نفسه بتخريم بيان استقالته من لا شيء وكل شيء ، توزع أسراباً من الابتسامات الالكترونية ، لتصل لبشر لا تعرفهم ،فقط لتوصل لهم رسالة صغيرة : أنا مرئي ! تقرأ رسائل لمرسلين يبحثون عنك ، يبشرونك بالفوز في مسابقات لم تخضها ، وأخرى لتجمعات سجلت فيها في لحظة فراغ وهاهم يهدرون عزلتك ويستدرجونك لحرث صمتك . غير أن هذا كله لا يقنعك ولا يستر زحامك ثمة فراغ كبير وذكي بداخلك يقول لك : سوف أبتلعك وهؤلاء ليسوا بأولئك ، وأنت ضيعت أنا على غفلة من الحرص . صوت لا تعرف مصدره يجلجل صداه في دروبك الداخلية ،يهددك ، تراه ، يومئ بصداه ويقرص عينيه متوعداً ، ترتعد وتتمنى أن تعود إلى رحم أمك ، تخبرهم أنك هناك كنت جنيناً تعبس وتبتسم ، تتشقلب بمرح ، وستكون بمأمن ،تقرأ أنهم توصلوا أن أول حاسة نمت لديك وأنت جنين هي السمع ، تحاول جاهدا أن تتذكر كنوزك السمعية قبل أن تمزق الوجود بصراخك ، تبذل قصارى جهدك حتى تنز مساماتك دعوات والدتك ، أذان والدك ، فتشعر بالخزي والعار ، لأنك أصبحت كائناً مخيبا للندى والشمس والصبح والصدق ، تتلكأ وتصرخ أعيدوني حيث كنت .لكنك مضطرٌ للعدو لا لأنك تحلم بالوصول إلى حقل محفوف بالحبق والفل والإنسان الحر الذي إن أراد أن يقول شيء يقوله ، وإن ابتسم سمت روحه وإن بكى دمع قلبه وإن سجد عطر الربى خشوعاً بل لأن الآخر يقتفي ظلك شاهراً سيفه ليذبح وريد عزلتك .

02\04\2008


ليست هناك تعليقات :