23‏/09‏/2016

خطوط الضحك والأحزان

















مقطع من قصة تأبى النهاية
كنتُ متفائلًا، نجحت في الوصول للسطر الرابع في محاولة مني لأكون في الصفوف الأمامية، المكان يعج بالفتية والفتيات، ألوانٌ كثيرة وكأنهم يخلقون ربيعًا من نوع آخر.
بدأ الحفل، كنتُ متحفزًا لسماع نص الرسالة الفائزة، وفي أعماقي أرجو أن تكون رسالتي. أُعلن اسم الفائز ... الفائزة، آه ... لم يكن أنا، كانت فتاة تُدعى مريم. 
أدار الجميع رؤوسهم متطلعين إليها، كانت تشق طريقها قادمة من أواخر الحشد، بدت كسيدة مهيبة وهي مقبلة، اقتربت من المنصة بوجل. شاشة الحفل من خلفها تُكبِّر وجهها، وكنت مع الحضور أرقب أن أسمع نص رسالتها الفائزة بصوتها، ولبرهة غمرتنا جميعا بنظراتها التي بدت كأمواج قادمة من رحلة بعيدة، ثم بدأت بعبارة :أدري ... ،أدري أنك لست موجودًا . يا إلهي  ! هذا الصوت الصافي من كل شيء، الرائق كنهرٍ جارٍ من الجنة ، جعلني أقدر أنها طفلة لا تتعد السابعة عشر ! ...رغم حضورها الآسر بدت خائفة و صوتها مترددٌ وكأنها تتمرن على الإلقاء في غرفتها الخاصة ،لكني أدركتُ لاحقًا أن هذا هو أسلوبها في الكلام .

أكملت نص الرسالة :
أدري أنك لست موجودًا، لكني على يقين أنك هنا بطريقة ما، أريد أن أخبرك أن جميع ما قلته كان صحيحًا، وأننا لا نتعلم من دروس الحياة إلّا بعد أن تُؤخذ قطعة من قلوبنا.
لابد أنك كنت تعني أنني أكون أكثر جدية في العمل وفي إتمام الأمور على أفضل وجه وأنني أعامل الحياة برسمية أكثر على حد تعبيرك  عندما أكون حزينة أو غاضبة ! لكني اكتشفتُ وهذا ما أحب أن أخبرك به الآن، أن الجميع كذلك، ربما سيتبادر للذهن، هل على البشرية أن تكون حزينة أو غاضبة بهذا الشكل المؤسف لكي تبني حضارتها ؟ ولماذا نفعل شيئًا لا نحبة وإن اضطررنا لذلك أليس أسهل علينا أن نُحب الشيء الذي نفعله ؟

أرخت عينيها و كأنها تنظر لطفل تحمله بين ذراعيها ، أكملت دون أن تقرأ من الورقة :
رأيتُ دموعك لمرة واحدة في حياتي، كانت تلك المرة عندما اُعلن وفاة موحد بلدنا الشيخ زايد، هزمتني تلك الدموع وكأنك أعرتها لي لتكون وضوء روحي لتتوب من التعلق في يوم ما، التعلق بروح أخرى وإن كانت روحك، الآن أستطيع القول أنها كانت نقطة تحول في طريقة تفكيري وتعاملي مع تفاصيل الحياة.

عادت تبعثر نظراتها علي الورقة وكأنها توزع بذورًا في بستان الرسالة :
علي الاعتراف أنك كنتُ نجمي على هذه الأرض، فالمرء قد يصادف في حياته نجومًا أرضية. تعبر بهدوء كظاهرة كونية في أفق أيامه ، لا تتكرر أكثر من مرة أو مرتين إن كان محظوظا ، عليه أن يكون يقظًا ولا يفلتها، هؤلاء هم الصامتون الملهمون سيضيئون لك طريقًا، أو يصنعون من أجلك يافطة تحذيرية، وقد يحولون أضلعك الخائفة إلى غصون خضراء، ثم سيغادرون بهدوء بعد أن علموك كيف تكون أنت نجمًا لأحدهم ! 
ونحن صغار نسأل كثيرًا  لنجمع الحقائق ، لكن إدراك الحقيقة يختلف كثيرًا عن معرفتها ! نعم، فنحن نبقى في سن الطفولة فترة قصيرة، بينما سن النضج هو الأطول ليطول إدراكنا وفرحنا وربما ألمنا وشقاؤنا. ورغم ذلك أعتقد أننا حقيقيون أكثر ونحن أطفال،  سألتني مرة ماهو حلمك، فأجبتك : أن أصبح قاموسًا أو مدينة ، سأقول لك الآن انني قد قطعت شوطًا كبيرًا لكنني أبتعدت عن طفولتي ...أعني  حقيقتي كثيرًا .
ما أن نكبر نعتقد أننا نستطيع الاختيار، نجتهد في تنسيق حياتنا ، بينما لو جربنا الخروج خارج إطار اللوحة للاحظنا شذوذًا ونفورًا غالبًا سببه تحيزنا القلبي.

رفعت وجهها إلينا وأمالته قليلًا باتجاه اليمين إلى الخلف من حيث خرجت من بين الحشود في البداية وكأنها تبحث عن شخص بعينة وأكلمت :
والآن دعني أذكرك بثلاثة حقائق أنت تعرفها وتعرف أنني لم أكن أعرفها حتى مررت بكل ما قد يمر به أي إنسان وما يقود لأن تظهر تلك الخطوط في وجوهنا أقصد خطوط الضحك والأحزان. أولها أننا لا ننسى ليس لأننا نعجز عن النسيان، لكننا لا نرغب فعًلا بالنسيان ، ربما لأننا لا نريد أن نتخلى عن ما جعلنا (نحن)، نحن الذي نعرفة ونشعر اتجاهه بالألفة والسكن. وثانيها أن ليس للوقت مفهوم واحد لكن في الوقت نفسه الوقت لا يختلف مطلقًا لمن يحمل ساعة مرصعة بالياقوت عن من لا يقتني ساعة مطلقًا. ثم إن ما يبقى من الوقت قليل وهو الشيء الحقيقي أو قد ما يُسمى ذكريات، من ذلك كلة بقيت الساعة التي رسمتها على معصمي بالقلم الأزرق الجاف عندما كنت في السادسة ساعة حقيقية، هذه الذكرى تستجلب معها دفء وبريق غامض هو ذاته الذي يتبدى عندما يحن المرء لشيء أثير أو يشفق إنسان على إنسان، ربما هذا الإلتماع الغير مفسر في العيون وارتعاش الصوت هو بريق حجر القلب، وهو حجر كريم تتمنع البشرية عن اكتشافة لأن ثمنة أن تُعطي. يُصقل القلب وتتساقط قطع منه فيلمع ونتألم ونتعلم، أوَ لم أقل هذا سابقًا؟.   ثالث الحقائق أن معظمنا يُصرف حياته في  البحث عن المفاتيح ، مفتاح النجاح ، الحب، التوبة ، الأمان ، في حين أننا نُولد وهي بحوزتنا ومهمتنا هي البحث عن الأبواب والاستعداد لمواجهة ما خلفها.

خفضت نبرة صوتها وكأنها تُحدث نفسها بل كأنها تحدث كل منا على انفراد حديث خاص، من الواضح أنها مستمتعة باللحظة   :  
لماذا تلك الحقائق الآن ؟
تلك الحقائق تقول : عامل نفسك أنك الشخص الذي ينتظر الآخرون قدومه ليضيء لهم المكان وأن الزمن كاد أن يقف لولا أنك قد حرَّكت الحدث ، وأنك الذي تعرف وتقول ما تعرف إذا كان حسنًا وتصمت وكأنك لا تعرف إن لم يكن مناسبًا.  انظر لذاتك على أنك الأكثر تسلية على مر العصور، تواصل مع روحك وكأنك روح أخرى معجبة بها بل وأعجب بها فعلا، لا تنتظر أن ينقذك أحد، كن بطل نفسك.
 لِمَ تنتظر العيد وبإمكانك أن تكون عيدًا ؟
 لا تُسيِّد أحدًا على قلبك لكن دع كل شيء مهما صغر يحرك قلبك. لا تكن مصممًا كصخرة يلزم أحيانًا أن تدع الأشياء تحدث. امش باتجاه الطريق القديم لكي تعرف وتمتلك مهارة أن تهندس طريقك الخاص.لا يكفي ذلك! يجب أن تحبة لكي يخضر فيفضله الآخرون ليتبعوك عندها فقط سيُسمى طريقًا .هل تشعر الآن بثقل مسؤوليتك اتجاههم ؟ تذكر فقط من كنت و كيف بدأت.
لا تتدخل فيما لا يعنيك، بل كن الكل فيما يعنيك.          
إن أرهقك حٌلمك تخلى عنه، فأنت أهم من الحلم، ويكفي أنه بمقدورك تأليف حلم آخر، كن رحيما بذاتك وعاملها بذوق، أعطها ما تريد إن كنت تستطيع.لا تخشَ شيئًا لأن ما نخشاه يستدل علينا ويحدث لنا، لا تعلق آمالك على الآخرين فقط ثق بالله ، قبل أن تأوي  إلى فراشك إنسَ كل قصائد الصب والجواهر والعمل النقدية ، إزرع فقط وردة واحدة في قلبك ، يقينك بالله، فهو يكفي لتكون أنت أنت. لا تحتاج لأكثر من شيء واحد من كل نوع ترغب به ، رفيق واحد..أم واحدة ..أخ واحد وعطر واحد وعالم واحد.
ولا يلزمك إلا يوم واحد لتكون جيدًا كفاية لتُنهي كل ما أجبرت نفسك على فعله فقط لأن الحياة تتطلب ذلك . لتكن أنت العالم الذي تنشده، لتفاجئ نفسك وتجدها.  كن عنصرًا خاملًا بين المتحركين واستوعب حركتهم. راقب بصمت وتأمل. انتظر فرصتك ، يومك، إلتمع ولو لمرة واحدة وإن كانت أخيرة . حافظ ما استطعت على الخيط الذي يربطك بالبشرية لأنك تشكل عقدة الأمان لمجموعة ما من البشر، كل اضطراب وهلع لحق بنا في زمن ما  كان سببه أنانية  أحدهم ، إما أنه أراد كل شيء أو أنه ترك كل شيء وغاب.
عش نفسك، أضحِك نفسك، أضحَك على نفسك ، عندها ستضحك الدنيا معك .
هل تتخيل ما قد يحدث عندما تضحك الدنيا من أجلك؟ سيقبل البشر أخيرًا أن يتشاركوا في نظم قصيدة واحدة تحكي عن سر الإنسان ، كل إنسان سيكتب بيتًا وسيرسله إليك على هيئة بهجة صغيرة تزين أيامك، ووحدك ستعرف كل الأسرار، وأنت جدير بأن تكتمها وتبتسم، ستصبح في مكانك عاديًا جدًا حد الإختلاف بعد أن سجن الجميع أنفسهم في خزائن الطموح، و سيعرف الجميع قيمتك الجوهرية كصَدَفة مغلقة على لآليء . سيود البقية أن يستعيروا منك لؤلؤا ليبدون أجمل وأسعد وستمنحهم. اعلم وقتها أن دورك قد حان لتصبح نجمًا لأحدهم ، وعليك الاستعداد لعبور سماء حياته بكل ألق وتوهج، لفترة خاطفة كعمر وردة وعميقة كجرح في القلب، نشعر به ولا نصل إليه، لنُطببه.

عامل نفسك على أنك الكون لأنك كون، ونحن نستحق أن تكون معنا بتلك الروعة.

رمقتني بخفة أو هكذا خُيل إليَّ ! كنظرة فتاة لزينتها في المرآة ، وكنت أنا المرآه .

صمتت مريم . أنهت مقطوعتها الموسيقية ، بعد أن سرقتنا في غفلة من قوانين الفيزياء وجعلتنا نسبح في ملكوتٍ أُخر، عدتُ بمسحة من شجن إلى مكاني المادي الذي كنت فيه مجرد شخص بين الحضور،انسحبتْ من المنصة برشاقة غزالٍة، تاركة النور الذي جاءت به خلفها، كانت زيارتها قصيرة وفارقة كوقت الفجر. عادت همهمات الحضور، لكني لحقتها دون وعي ، كنتُ اتبع غطاء شعرها المزين  هوامشه بورق شجر،أدركتُ عندما غابت في زحام الفتيات أنها أصبحت تشبه الأخريات بل كأنها كل الفتيات ، شعرت فجأه أنني فقدت عزيزًا أعرفه منذ أزمان، كانت تلك أول وآخر مرة رأيتُ فيها مريم.
                           

ليست هناك تعليقات :