01‏/08‏/2014

مُنمنمات القلب

.
تعلمتُ أنّ دمعة قد تغير مصير إنسان، وأنّ الأفراح كالنجوم ... تقطع مسافة طويلة لتصل إلينا، وعندما تصل تصبح شيئًا من الماضي، لذا آن للوقت أن يأخذ طريقه في قلبي دون عناد أو اعتراض، كالعمر الجاري وضفتيه هما الأمس والغد. 
   
واليوم ، أجد أن كل ذلك الزمن الذي عشته قد ترك منمنماته في قلبي، تمامًا كما كان للآخرين منمنماتهم لكنهم يدعونها ندوب.
هي لوحات معقدة وخارطة دقيقة لمعالم حياة إنسان بذلت الأيام جهدًا في رسمها، إنها سلسلة لنسخ غير معدلة من حوادث مررنا بها فلم تعد بعدها حياتنا كما كانت ، ذكريات لوقائع خلقت ذائقتنا الخاصة في أسلوب الحياة و نمط العيش، فلو كان يصدر مع البشر دليل إرشادي لإنجاح علاقة ما أو المحافظة عليها وربما الإطالة في عمرها لكان عنوان هذا الدليل "منمنمات القلب" . ولو كنا على دراية بالجروح التي مر بها الذي أمامنا لشذّبنا كبرياءنا معه ، وربما قدمنا له غيمة سلام ولو كانت من دموعنا !
لكن ...مقولة دي ستايل  "لو عرفت كل شيء لعذرت كل فرد"  تبقى مجرد حكمة يرددها زاهد .
لذا لا تسل إنسان عن سر حزنه ... فهو سر !
هل نحن حزانى بالفطرة ؟
قرأتُ ذات مرة أنه على اعتبار أن أرواحنا تسكن كون صغير يُدعى جسد، وأن الماء في هذا الجسد يتأثر بدورة حياة القمر، فنزداد حزنًا عندما يكتمل ضياءة ويصبح بدرًا وهو أجمل منازل القمر...هذا ما قرأته، لابد أننا أيضًا كلما اكتمل القمر وازداد حزننا توهج جمالنا، لذا نحن حزانى وجميلون بالفطرة  أيضًا...هذا ما اعتقده.
هل كل جميل يبقي كذلك ؟
في صغري كنت أستحي التحديق في الوجوه الجميلة، ولا أدري لماذا، وفي المقابل كائنات لشدة بشاعتها أغمض عيني خوفًا من النظر إليها بل أضع كفيي على وجهي لكيلا تتعرف على ملامحي وتسرق شيئًا من براءتي، وفي النهاية  كانت ردة الفعل واحدة  اتجاه الجمال والقبح ، وهي عدم أطالة النظر .
اليوم عرفت أن جمال الوجوه قد يكون قبحًا لكن في -رواية أخرى-، لمن لا يخشون الإبحار في لجى الأرواح، بينما البشاعة قد تكون قناعًا لبشر أُهملوا إنسانيًا ولم  يُمنحوا من هدايا الفؤاد ، كـ غيمة السلام تلك ... ورقة شجر ... أو ليمونه بلون الشمس ، ليأنسوا ويتذكروا أن هنالك من ينتظر معهم الغد.
وكم انتظرنا الغد ؟
أحيانًا أخاف من المطر، من الورد، من عبارات رقيقة كـ ( فداعة الله) ( أشوفكم على خير) أو حتى (سي يو) ، ذات مرة وفي آخر العام الدراسي قالت لنا أستاذة ميمونة معلمة اللغة الانجليزية : ( عقبال تحقيق الأماني) ... وكأنها قالت الوداع !
إن هذا الحب الإنساني الخالص والنبيل لا يأتي إلا من إنسان لن تراه مرة أخرى، ولو أقحمت نفسك ضمن مجموعة من البشر لا تربطك صلة بهم لكن تربطهم صلة وثيقة ببعضهم البعض، وكان هذا لقاءهم الأخير لعرفت بذلك دون أن يخبرك أحد، سيدلك على ذلك شيء غامض يستقر في أعلى الحنجرة تشعر به على هيئة غصّة  تذكرك بتجربة وداع مررت بها في ماضيك . 
  
ثم ماذا سنفعل بدون أماني لا تتحقق ؟!، إن أجمل ما في الحياة أننا جئنا دون أن ندرك أنها البداية. فجأة وجدنا أرواحنا تشغل أجسادًا جميلة، مُنعمّة بطين الوجود، ثم نغادر ونحن لا نعي أنه اليوم الأخير. هناك صبح أول وصبح أخير في حياة كل منا، والأماني التي لا تتحقق هي الضحى وقبل المساء والمساء وجوف الليل وأول الفجر...الأماني التي لا تحقق هي الوجود كله حينما نكون موجودين حقًا...إذا ما سنفعل دون أماني لا تتحقق ؟ 
من الأماني التي لن تتحقق،  أن يستقل جميع البشر...سيارات من نفس الطراز وبأحجام صغيرة ، فكم أحبُ السيارات الصغيرة لأنها تذكرنا بأحجامنا الحقيقية وكيف نبدو متشابهين على الطريق لولا قلوبنا فهي علامتنا الفارقة، هناك حيثُ وُشِم  كل قلب بنقش خاص لا يتكرر كبصمة العين.
والعين شباك يطل على الكون، فرغم اجتهاد علماء الطاقة في شرح نظرية الهالة التي تحيط بالإنسان ودورها في التجاذب والتنافر بين البشر، وكيف أنها تكشف الحالة النفسية والصحية للفرد إلا أن العين وببساطة هي كل شيء في هذا الأمر، العين هي الاختصار والتفصيل،
وشخصًا لم تر عينيه لا تأمنه ولا تعطه وعدًا ولا عهدًا، لذا بقيت العين حتى الآن هي وسيلة الاتصال الوحيدة الخاصة بي .
ثم إن لكلِ قلب منمنماته ... 

هناك 11 تعليقًا :

ضحوك يقول...

هذه اﻷحاسيس اراها رسمت بيد فيلسوف صغير بريئ..كخارطة طريق لكل منا..بصوت يسمع احاسيسنا وينير لنا معالم اظلمت في حياتنا.

مهاجره يقول...

مخيب للآمال أغلب الذي حدث
فكيف يا ترى سيكون شكل منمنمات قلوبنا..

جميله يا ناديا

مُنمنمات يقول...

ضحوك! أتأملُ اسمك.
يقول باولو كويلو:(أعتقد أننا بحاجة إلى البراءة كي نكتب ) ،
أحيانًا نمشي سنوات طويلة بحثًا عن شيء كنا نملكه وأفلتناه مع الزمن ... شيئًا كالبراءة، نحتاجها لا لنكتب فقط بل لنسمع ونرى ونشعر.

أشكرك على هكذا أثر مُلهم.
أطيب التحايا
.
.
مهاجرة...الآمال شجرة خلابة قد تطرح ثمرة واحدة في العمر أو أكثر وقد لا تطرح.
لكنّ الأكيد أن منمنمات القلب ستبقى خضراء طالما مازلنا على قيد الأمل.
هنالك دومًا ما يستحق البقاء.

منار يقول...

نشر الاسم الحقيقي في عالم النت علامة ملفتة إلى أن النت بدأت تسكنه كائنات حقيقية ..ولم يعد ذلك المكان الذي يعشعش فيه العناكب والخفافيش وعاشقي التخفي ولم يعد مكانا صالحا لمتغيري الوجوه وأصحاب العقد.
شكرا لك على خطوتك هذه لاستصلاح كوكب النت ليسكنه الحقيقيون.

مُنمنمات يقول...

شكرًا لمرورك منار...
سبقني الكثيرون، في جميع الأحوال الجميع حقيقي سواء اختار أن يكون خفاشًا أو عصفورًاأو ربما بقي إنسانًا.

رفيف يقول...

كل فقرة فيما كتبت تصلح أن تكون عنوانا لتصميم..فعلى سبيل المثال قولك"العين شباك يطل على الكون"
اليوم عرفت أن جمال الوجوه يصبح قبحا..."
تعلمت أن دمعة قد تغير مصير إنسان" وغيرها وغيرها
دمت نهرا يجري بالتفاؤل فتشرق به الحياة

مُنمنمات يقول...

رفيف أشكر النهر الذي جاء بك إلى هنا وأشكر كلماتك الجميلة، لابد للجميل أن يقول الجميل

غير معرف يقول...

اجمل العيون هي العيون الحزينة، الحزن يصفي الروح من شوائب الحياة العالقة على جنبات ارواحنا، يجعلنا نراها كما هي بدون مكياجات رخيصة، نعم نحن مخلوقات حزينة، ولكن جميلة.

مُنمنمات يقول...

هل الحزن ثمن لشيء ؟ شيء كالجمال مثلا ؟
شكرًا لأصحاب العيون الحزينة ..وجودكم آنس المكان.

غير معرف يقول...

كلما ازدات معرفتنا للحياة، ازداد حزننا، وازداد جمالنا الداخلي والخارجي، بالعيون تحديدا.

مُنمنمات يقول...

لكل روح منمنماتها وأحزانها المتفردة....شيء يشبه البصمة، أو كالخطوط على جانبي العيون المبتسمة..
هو جزء دقيق منا... ربما بدونه أصبحنا متشابهين. غير معرف كل الشكر على الحضور والكلمات والحزن !