05‏/03‏/2012

السماء . . صفحة في دفتر



رسمَ شجرة ليمون ونفد اللون الأحضر، بقيت الشجرة واقفة على مدى الذاكرة تنتظر أن يمر عليها ذات يوم ويكملها، يُخضّرها . . يرسم غيمة . . هلال أو عصفور ولو كان رماديًا.
لم يمر .

أصبح -غير-! كقرنفلة اقتلعت من غصنها الأم ونُفيت إلى كأس زجاج مليء بالغرق.
كان يلمح خيال راحته الصغيرة في تلك الرُقع الملونة بأطياف البنفسج والمخضبة ببريق اللازورد، لوحاته كانت تقول الكثير لكنها اليوم غدت مجرد صور يتناقلها الغرباء، صور غادرها الصوت واللازورد ابتلعته الزرقة.
.
كان يرسم اللوحات بطريقة لاتخطر على قلب بشر! كل مشهد يطرزة الوجود ، كل صوت تغنيه الكائنات ينقشه في عروقه كما  تنحت ذاكرة طفل  أبجديات الحياة، كان يعتقد أنهم لو فتشوا قلبة لعثروا على لوحات أجمل من أن تكون حقيقة، لوحات تشبه الحدائق العامة وحمام  المآذن والياقوت  الذي لا يعنيه والصمت الذي يقول،  والمطر الذي سيهبط يومًا ما على الوجوه الراضية ، وضحكات الرموش، والكلام المهذب والرداء الأنيق وحقول التين والإنسان الذي ما أن تلمحة العيون تقول : كل به عادي جدًا لكن ما سر أنه جميل ؟، وحبوب البن التي لم يرها قط وقت الحصاد! لكنها تصل إليه من أطراف الدنيا البعيدة  ليصنع منها جرعة  فنجان صغير من الحب والوصل والسهر والدمع والذكرى والإبتسام والإلهام، ولوحاته تشبه قهوته تمامًا.
.
قهوتة؟ فريدة لأنه كان يصنعها بالصبر و-يلقمها -بالليل ويحليها بقمر وحيد يلمع كل مساء كدبوس زينة في عباءة السماء دون أن يلقي أحد عليه التحية، لم يكن يدري لماذا لا يفعلون ذلك ؟ ثم عندما حاول أدرك أن الإلقاء يكون للأسفل وقمره في الأعلى دومًا ، لم يسخط ، لكنه حاول أن يصعد للأعلى، أصاب لون الليل إنسانيته في مقتل، فلا هو نجم ولا حتى حجر كوني خاشع في محراب الظلام .

عرف أنّ اللوحات لا تورق ألوانًا من تلقاء نفسها .
وفي لحظة واحدة ، قصيرة وحقيقية  بدا له أن لوحاته أصبحت ثقيلة على قلبة  قلبة الذي يرسمه دومًا على هيئة ورقة عنب، ليس إلّا !
جمعها وأودعها خزائن خشب لا حول لها ولا ذاكرة، نثر شيئًا من أوراق النعنع الجاف وورق الليمون الحزين، حزين لأن الوقت قد مرّ دون أن تطرح شجرته ثمرة واحدة، تعزيه أمام قصص الأشجار المكللة بالأخضر.
أقفل الخزائن بأقفال من معدن، واقترب من البحر، اقترب فهو لم يعد يخشاه كما كان ، يوم كان للبحر رائحة الحبر.
ألقى بالخزائن واحتفظ بالأقفال المعدنية في الجيب اللصيق بالقلب ، بمرور الوقت أصبح القلب معدنًا هو الآخر.

لقد أصبحت الكائنات مجرد كائنات لا أكثر. .
فلا البحر حبرًا ولا السماء صفحة في دفتره الصغير . .
ذلك الدفتر. .!
على غلافه مطبوعٌ صورة طفل برائحة القصيد يجلس على حقيبة سفر بشعر مبلول بماء المطر، قدماه حافيتان تتوسدان ترابًا أخضر، في يده اليمنى سعفة نخلة وفي اليسرى جريدة أول العمر !
وفي قلبه أمنية عظيمة : الجنّة !
في الدفتر حروف كبيرة . . كبيرة . . ومائلة . . كأنها في تحليق نحو أفق آخر من الكون.
الدرس الأول: كيف تفرق بين "ال" الشمسية و"ال" القمرية.
كانت صفحات الدفتر ملأى بالنجوم،نجوم ملونه ،من ألوان أيامه ، أمنياته، وألوان أصواتهم. .من يحبونه، يمشون أمامه بمقدار عثرتين. .دمعتين، يكتشفون الدنيا ويطمئنونه، كانوا كقارئي حالة الطقس يأتون في آخر النشرة  ولا يذكرهم (أحد) بعد ذلك ! كان هو كل (الأحد) لديهم.
لم يعلم بهم ولم يقاسمهم فنجانه الصغير فمضوا أخيرًا ولم يفتقدهم (أحد) .
وعندها تحديدًا أصبح-غير- ، شعر أن شيئًا ما تغير ولم يهتدي إليه ! واستسلم إلى ما آلت إليه  أوضاع ورقة العنب ! 
  
الآن هو لم يعد متأكدًا إن كان هو ذلك الطفل ؟
وهل شعره كان مبلولًا بماء المطر فعلًا ،أم بدموع بشر يقفون خلف الصورة ، في جغرافيا تشبه جغرافيته لكن في بعد آخر من مكان له رحابة الحنين في حياة كهل .
هو لم يعد يدري، فالكائنات أصبحت مجرد كائنات .
الحروف خطوط .
الأمنيات عشب يابس في طرقات القلب.
والنجوم مجرد ملصقات أطفال !

ليست هناك تعليقات :