03‏/08‏/2011

سل الغريب عن مقاهي المدينة


واحدة ضمن مجموعة لا تتكرر، ( وردة تنافس ناطحات السحاب ) جمعية أدبية ناشئة أجازت انضمامي إليها باستحقاق مشرف ، حدثني والدي أنه في المستقبل البعيد سأُذكر كأول المنتسبين للجمعية والتي لابد أن تأخذ حيزاً براقاً في الزمن القادم ، وحدثتني نفسي أن اسمي سيذكر كأحد مؤسسي الجمعية.
سبعة عشر عضواً ، إحدى عشر فتى وست فتيات لا يلتفت إليهم في وجودي ، جمعية مبتدئة ، أب يراني بمجهر ذي كفاءة ألمانية ، أعضاء خاملون قياساً بي أنا الحادة المتقدة حبراً ، منذ اليوم الأول وعندما استمعنا لخطة الأستاذ (آدم) لتنمية قدراتنا الأدبية والاتجاه بها نحو خط قوي لبناء هيكلة أدب يميزنا ،وخلق نواة مدرسة أدب ما بعد الحداثة ! انطفأ حماسي و أدركت أننا نجتمع من أجل ليلة نام فيها أحد الهامين جيداً وقرر بعدئذ تجسيد أحلامه .

عبث ، برعاية رسمية ، عرفت أنه بإمكاني البروز كأفضل طفلة موهوبة ولن يكلفني الأمر سوى العودة من رحلاتي الخيالية مدة ربع ساعة من الساعتين المقررتين كل يوم ، طبيعة الأنشطة التي سنمارسها في كل اجتماع تبدأ بعبارة مقترحة من أستاذ آدم ، ومن ثم علينا بناء نص أدبي متضمناً عبارته الأخاذة، ثم يبدأ مرحلة التحليل والتوجيه ومنحنا درجات بناء على أقربنا للكمال.
في تلك المرحلة أدمنت رسم الوجوه الرابضة أمامي بعد إجراء تعديلات شكلية في مخيلتي ، هكذا أختصرهم بتصرف ، بدت لي الوردة مكاناً مناسبا لتسميد موهبتي .
(2)
بعد انتهاء اليوم الدراسي ، بالمريول المقلم أقطع شارع المدرسة للجهة المقابلة ومنه أسير على طريق رملي منسي حيث يوجد صف من أربع منازل صغيرة بيضاء كتيمة للجمعيات الثقافية الغير ربحية ، في آخر الدرب الأشيب عربة بائع ذرة ، صفراء نصف كروية ، ما اشتريت منه قط ! في الشتاء وأنا في طريقي للوردة أُدوّر مظلتي التي تغطي نصف وجهي فتتراشق قطرات مأسورة من رذاذ الصباح محاولة أن أوزع الربيع الوادع بداخلي على وجوه المارة وإضاءات السيارات الخفيفة المهادنة للضباب .

حالما ينكفئ أعضاء الجمعية على كتابة نصوصهم ، أنهمك في التوغل في غاب وجوههم محاولة تقليم الزائد وتقويم المعوج وبتر المعطوب ، أحياناً أحتطب من أجل ترميم شرخ في نظره ما أو بناء درع واق لبسمة استثنائية . منفصلة تماماً عن عالم الثمانية عشر إنسياً، جنية تهبهم وجودها، واثقة من قدراتي في الخمسة عشر دقيقة، حينما يأتي دوري وأقرأ ما كتبت ، يقول أستاذ آدم : ( كتر خير الله ، الدنيي بعدا بخير ، بارك الله الوقت اللي إدامك ، بارك الله عمرك الجاي ) .
أستاذ آدم كان أكثرهم تعرضا لرسوماتي التصويبية ، لا أعرف أين يكتب ؟ لم أقرأ له نصاً كاملًا قط ، حالما تضيء عبارته حلكة اللوح العتيق ، أدرك أن الزمن كان يعد لوجوده من أجل هذا اللكز الحافر في بطين القلب، من أجل أن يخبرنا أننا غداً سنذبح بالحزن كما لم يحدث في تاريخ البشرية ، وسيختلط الدمع بالدم ، وسيمثل بمشاعرنا من الغرق لليباس ، يقذفنا في متاهات كل لافته فيها كُتب عليها مخرج ،تؤدي لمزالق موغلة في الضياع ، كانت كلاليب الوحي تنغرس في جوارحنا لترهص كروم الفكرة والتجربة والبوح في تمازج مؤلم لذيذ ، يفعل كل هذا دون أن يترك بصمته على مصاريع الروح ، ولا يخضب فؤاده برجس الأكدار .
ذات مرة، اكتشف أمري خالد، أكبرنا سناً، حينما رأى وجهه معلقاً في أعلى الصفحة الأولى من نوتتي، ربطه بين الرسم و وجهه غذى غرور موهبتي في الرسم، أنتِ تقصينني عن أكثر ما يميز عائلتي، الأنف الأشم ! أجبته بحركة مستفزة ، كتبت ورفعت النوتة قبالته ( لديك عينان واسعتان لا تأخذان حقهما في الرؤيا في وجود هذا الأنف )، اكتفى بمشاكستي ورسمني على هيئة نقطة أقرب للعدم، فلاسفة صغار كنا ولكن أصغر من أن ينبش أحدنا ما دفنه للآخر تحت طمي الأحبار.
(3)
في يوم شتائي وبعد أن أنهيت يومي الدراسي ، فضضت مظلتي ومضيت أقطع الشارع ولا شيء يسع فتاة مثلي بالكاد بلغت الثالثة عشر من عمرها ، في ذلك اليوم لم أكن أنا ذات الطفلة التي تشق طريقها بين السيارات كفرس فازت في سباق الجري مائة مرة ، كنت أنثى ترمق واجهة المحلات كمرآة تعكس مشروع الكمال ، أبواق السيارات تصفيق حاد لقصيدة ارتجلتها للتو، دخان عربة بائع الذرة غمام لا يطالة سوى مجدي ، بدوت قادرة على تخليص كل أوراق الكون من عاهة البهاق وبنقش يتماها مع مزاج الحداد والحصاد والشاعر والمغني والمهرج والباحث والرئيس والمرؤوس ،كنت أكتب وأعود أقرأ ما كتبت عشرات المرات وأعجب بالحروف والسوسنة والنجمة والفراشة والعشب وكل تلك الكائنات لم تكن سواي .
حينما دخل أستاذ آدم كتب ( سل الغريب عن مقاهي المدينة) وبدأنا .
كلٌ و شعاب حروفه ،
حلقت في السُرى ، رسمت أستاذ آدم دون آذان ، ربما الضجيج من حوله يسد علية الاسترسال لإكمال مقاطعة الموغلة في الوحشة ، أستاذ آدم لا وقت لديه ليُسرّح قطيع الحروف ويشرع نافذة الكلام ، يواصل أماسيه دون أن يطرق باب الغيمة ويصهل ببشائر الغيث ، فكرت كيف يصل المرء لهكذا انتهاء دون أن يعي ، تصورت وقتها أن الحياة شجرة ضخمة والمرء فيها غصن متى ما التحم مع جذوع علاقات اجتماعية وزخم واجبات شكلية ، كلما انسحب الخضار والمعنى ليؤول في النهاية لعصاً جافة بالكاد تكفي لهش طفيليات ستتمكن يوماً ما لا محالة ، إذاً أستاذ آدم يغرغر الحياة في خضم الموت ، شعرت بالشفقة علية ، لو يعلم لاتّخذ سبيله للشفاء ، كتبت أسفل رسمه (لا للالتحام نعم للتشعب ) .
صغيرة كنت، مملوءة بالغد وآلاف العدسات المكبرة ربما.
في نهاية اليوم ، أمام بوابة الوردة أنتظر أن يقطفني والدي ،مسرجة نظرتي في المدى البعيد أبداً ، وطنين غامض يمزق عنفوان الصباح الوليد بداخلي ، كمئات الأشباح التي تقطع الشوارع أقبل أحدهم من على دراجته الهوائية ، وكأنه قادم من سراب قريته الباكستانية ، وزوجته تضع عملة نقدية فوق الأخرى ، يشده الرنين ، ككل النهايات ، بسرعة، افترسته سيارة مسعورة ، كل الاصطدامات في حياتي الناعمة كانت شذرات فرح ، كانت هذه أولى مواجهات الحياة وآخرها ربما ، اصطدام نسر بجبل ، رأيت كيف تناثرت أحشاؤه ، تدلت أمعاؤه على المرآة الجانبية اليمنى للسيارة ، أغشاني نثار التراب الذي هيجته زوجته ، رأيت أطفاله يبيعون الماء على حافة الغدير ، ثم أصبحت نقطة تقترب ؛ للعدم .
انتحرت الحمامة في مهجتي و ولى زمن البراءة.
كانت تلك الأمسية هي الأخيرة لي في جمعية الوردة ، بعدها بسنة حلت الجمعية ضمن المشاريع الموبوءة بالعجز الميزاني المزمن .
عرفت فيما بعد ،
ثلاث فتيه لقوا حتفهم في حوادث طرق وكأننا خضنا حرباً من نوع آخر ، لا شيء غير اعتيادي عن الفتيات كأنا ، خالد أصبح كاتباً تربوياً مأجوراً ، يكتب لوزارة التربية نصوصاً وعظية تدرس لطلاب المدارس ، لم أستطع التخلص من تترات الحادث العالقة في شفرات ذاكرتي كنوتة تذكير فسفورية ، تشع كلما التحفت الليل و تخشخش حالما أرتدي النهار.
(4)
عمر طويل مضى كصرخة عابرة.
مواعيدي مع الليل مزروعة بالكوابيس، طفلة لم تتجاوز السنتين بظهر محدب وشعر أشهب أقف على حافة الشمس وكائن منصهر يحمل عينين تغلي من الغيظ يسألني عن مقاهي الملح ! زورق متوحد غررته الريح يرتحل في الفلك الكوني تسألني البوصلة عن مقاهي المرافئ ، محارب أعزل تسألني رائحة الوغى عن مقاهي الدم ، أصرخ : سلوا الغريب لست الغريب ، وصوتي سلاسل حارة تسحبني لداخل قفصي الصدري لأتقلص كل سنة أكثر واقترب لنبوءة النقطة والعدم ، غير أن هذا كله لا يزعجني كما يزعجني العويل الحزين لسيارة إسعاف تطرق رأسي كل أصيل ، ولا تصل .
الآن،
أدمنت شراء بطاقات التهاني البريدية المزخرفة، لم تعد تستخدمها البشرية وأشعر أنه في وقت ليس ببعيد ستتوقف عن إصدارها، أصبح لدي مجموعة خلابة يتقاتل أحفادي من أجل السماح لهم بالتفرج عليها ، كثر خير الله مازال في الدنيا خير، بارك الله العمر القادم.

2007\11\15


ليست هناك تعليقات :